الشيخ عبد الغني النابلسي

139

كتاب الوجود

--> ولا وجود إلا وجود اللّه تعالى ، فهو موجود بوجود اللّه تعالى مع أنه عدم صرف في نفسه ، وهذا الوجود المفروض المقدر للأشياء ، أما عين ذواتها أو زائد عليها الذي تقول به علماء الرسوم وعلماء الكلام ، ويجعلونه وجودا ثانيا لوجود اللّه ويردون على القائلين بوحدة الوجود من المحققين والعارفين ، لا يضر العارفين القول به أيضا ، بل هم قائلون به لتمام المضاهاة بين العالم والمعلوم ، والصانع والمصنوع ، على العترية التام ، ولا يمتنع عليهم إثباته كما أثبتوا للمعلوم والمصنوع نظير ما للعالم والصانع من الصفات والأسماء ، ولا يطعن ذلك في صدق قولهم بوحدة الوجود ، فإن كلام العارفين المحققين عما به كل الموجودات موجودات ، الذي لولاه لما كان في الوجود موجود أصلا ، لا معقول ولا محسوس ، الذي جمع الموجودات في أنفسها مع قطع النظر عن وجود القيوم عليها لا وجود لها أصلا ؛ إذ ليس في قوة المخلوق أن يخلق نفسه ، وهو وجود اللّه تعالى الحق وحده لا شريك له ، ولا يتصور فيه سبحانه أن يحل فيما فرضه وقدره من جميع المخلوقات ولا بعضها أصلا ؛ لأن المفروض المقدر في نفسه عدم محض ، وكيف الوجود يحل في العدم ، كذلك لا يتصور أن يتحد معه أصلا ؛ لأن الحقيقتين متباينتان تباينا كليّا ، لا مشابهة بينهما أصلا ، فحقيقة الحق وجود صرف مطلق حتى عن الإطلاق ؛ لأنه قيد ، وحقيقة المفروض المقدر عدم صرف مقيد . وأما وجود المفروض المقدر إن قلنا به كما قالت علماء الرسوم وعلماء الكلام ، فهو مفروض بمقدر أيضا ، فحقيقته عدم صرف أيضا ، لو عقل القائلون بذلك ، والأمر كله راجع على كل حال إلى وجود اللّه تعالى عند الجميع . فوجود اللّه تعالى هو وجود الوجود ، والوجود كله بلا وجوده تعالى عدم صرف ، فلا وجود إلا وجوده تعالى ، فكلهم قائلون بوحدة الوجود طوعا أو كرها ، وإنما قلنا بأن جميع المخلوقات مفروضة مقدرة ؛ لأن الخلق معناه الفرض والتقدير ، كما قال تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( الفرقان : 2 ) . وإن كان معناه الإيجاد الذي ينتج الوجود ، فهو الوجود المفروض المقدر ، فيرجع إلى أنه وجود مفروض مقدر على كل حال لا مساواة بين وجود اللّه تعالى ووجود جميع المخلوقات الذي هو بوجوده تعالى لا بنفسه ، وكون وجود المخلوقات كلها بوجود اللّه تعالى ، ووجود اللّه تعالى هو الوجود الذي به وجود المخلوقات كلها كما ذكرنا لا ينافي أن وجود المخلوقات كلها بقدرة اللّه تعالى وإرادته وعلمه وبقية صفاته ؛ لأن كلمة وحدة الوجود اختصار في الكلام عند العارفين وإجمال فيه ، وتفصيلها ما عند علماء الرسوم وعلماء الكلام من بيان صفات اللّه تعالى وشرح أسمائه تعالى ، فإن صفاته تعالى كما كانت عندهم ليست عين الذات ولا غيرها ، ولم يقل أحد من أهل السنة بمغايرتها لذاته تعالى صفة المغايرة الموجبة للتركيب ، أطلق عليها وجود اللّه -